5 من صفر 1437 هـ
001
الـكـــنز
المـفقـود
كان
يا ما كان .. في سالف العصر وقديم الزمان
وما
يحلى الكلام إلا بذكر النَّبي عليه الصلاة والسلام
كان
رجلان شابان في بداية حياتهما مترافقين في سفر، حتى إذا وصلا إلى قرية قديمة متهالكة البنيان، واتفــقا
على أن يأخذا قسطــًـا من الراحة ثم يواصلا الرحلة، واستقرا في بيت قديم مهجور
ممتلىء بخيوط العنكبوت، وأخذ كل منهما يهيىء مكانــًا يستريح فيه.
حتى إذا خفَّ الضؤ وحلَّ عليهم الظلام أضاء أحدهم شمعة
تظهر لهم ضؤًا بسيطــًا حتى يشعرا بالأمن والأمان، وما أن فعل ذلك حتى لمح
صندوقــًا خشبيــًا أسود اللون تلتف حوله خيوط العنكبوت وتسكن من فوقه وعلى كل
جانب تراب هائل ومنغلق بقفل حديد ضخم يرقد عليه الصدأ.
حدَّث من أضاء الشمعة صاحبه، قال: "تعالى؛؛ لنرى ماذا يحمل هذا
الصندوق"، وأسرعا
نحو الصندوق فأزالا عنه خيوط العنكبوت والتراب من فوقه، وأخذا يبحثان ويبحثان ويبحثان
عن مفتاح قفل الصندوق إلى أن وجد أحدهم المفتاح تحت الصندوق.
أسرع من أضاء الشمعة وأخذ المفتاح، حاول وحاول وحاول فتح
الصندوق إلى أن نجح في فتحه من بعد صراع شديد مع صدئه، وما أن قام بفتحه حتى انبهر
بما رأى داخل الصندوق؛؛ لقد رأى سبيكة من الذهب الخالص، أخذها وطار مسرعــًا وهو
في قمة السعادة والفرح، يمرح ويرقص ويغني: "وَجَدْتُ سَبِيكَةً مِنَ الذَّهَبِ .... تَحْمِلُ
سَعَادَةً مِنَ الطَّرَبِ".
أما صاحبه فقد انتبه حينما رأى في الصندوق رسالة مكتوبة
بالدم الأحمر الداكن على جلد ماعز، عجب من شكل الرسالة، أخذها وجلس بجوار الشمعة
وازداد عَجَبَه حينما قرأ ما هو مكتوب فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم .. إلى كل من يقرأ هذه
الرسالة؛؛ انتبه واقرأ في تأني وتدبر وتعلَّم الحكمة مما سأسرده عليك ... كنتُ
أعمل في تجارتي بنجاح وتفوق وتميز، وكنتُ حريصــًا على تدبير أموالي حتى يستخدم
ولداي هذا المال في طلب العلم، ولكني أخطأتُ حينما أسرفتُ في تدليلهما وتلبية جميع
طلباتهما ورغباتهما، وعندما كبرا وترعرعا سعدتُ بذلك سعادة كبيرة ونويتُ أن أدلهما
على سبيكتي الذهبية حتى يستخدماها في طلب العلم وزيارة البلدان لطلبه، ولكني
فوجئتُ بالسعادة التي نزلت عليهما بعدما علما بشأن السبيكة في الصندوق الأسود،
وليست السعادة بالسبيكة في طلب العلم كما أردتُ، وإنما كانت سعادتهما بسبيكة الذهب
للهو واللعب والمرح بين البلدان، فنهرتهما عن ذلك وقلت لن أعطيها لكما حتى تعرفا
الإستخدام الصحيح لهذا الخير، ولكنهما لم ينتبها لكلامي ولكن ذهبا وهما في سخط
وضجر وضيق من كلامي.
وغبتُ عنهما يومــًا كاملاً طلبــًا للسلع في تجارتي،
ولكني عندما عدتُ إلى البيت في وضح النهار عجبتُ من رؤيتي لولداي وقد تصارعا
وتقاتلا بجوار الصندوق طلبــًا أن ينفرد أحدهما بإمتلاك السبيكة، تصارعا وتقاتلا
حتى قتلا كل منهما الآخر.
حزنتُ وبكيتُ وأنا أرى الدماء الحمراء سائلة بجوار
ولداي، وعرفتُ أن التدليل الزائد يأتي بالنقمة على الأباء والأبناء، وأن تعليم
الولد يجب أن يكون منذ الصغر، تعليم الحياة السليمة، وتعليم المسئولية، وتعليمهم
نحو ابتغاء العلم النافع.
على من يقرأ رسالتي هذه أن يعتبر ويتعظ من قصتي، فقد
كتبتها بدماء ولداي حتى يكون فيها العبرة والعظة .. وعليه أن يأخذ سبيكة الذهب
ويبذلها لله تعالى طلبــًا للعلم وأن يعطي من مالها لمن يبتغي العلم ويطلبه"
أسرع من قرأ الرسالة بعد ما تدبر ما هو مكتوب فيها
وأخذها إلى صاحبه الذي ما زال يتراقص فرحــًا وسعادة بسبيكة الذهب، أخبره بما فيها
وعرَّفه بطلب صاحب السبيكة، إلا أنه وجد رفضــًا صارمــًا قاطعـــًا من صاحبه.
حزن قارىء الرسالة من رد فعل صاحبه، ولكنه نوى نية خالصة
أن يسير نحو "العلم
والتعلم والتعليم"
وأن يأخذ بما كان في الرسالة من حكمة، وكذلك إن أكرمه الله تعالى بمال أن يتصدق
منه على طلاب العلم والمحبي للتعلم، وأن يهب من صدقاته لصاحب الرسالة وصاحب
السبيكة الذي نوى أن يبذل ماله لطلاب العلم ولكنه لم يستطع تنفيذ نواياه.
وسار قارىء الرسالة في طلب العلم، وعانى معاناة شديدة
ولاقى الصعاب والمشقة ولكنه حمل العزيمة والصبر والتحدي، وكلما أحس بالتعب أو
الضعف أو الضيق كان يلجأ إلى الله تعالى ليكون له ناصرًا ومُعينًا ووكيلا [وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ]، ونجح وتعلم وتميز وأصبح عالمــًا مرموقــًا،
وطلبه الأمراء والوجهاء لتعليم أولادهم، وحرص على تعليم أولاده حتى أصبح هو أولاده
علمـاءً متميزين له شأن عظيم في بلدهم والبلدان المجاورة، وفي لحظة صفاء أخذ يقرأ الرسالة القديمة الذي كان محتفظــًا بها ويتذكر قصتها وحدَّث نفسه: "رحم
الله (صاحب الرسالة وصاحب السبيكة)، فقد تمنى خيرًا كبيرًا ولم يستطع تنفيذه،
ولعله لم يستأمن أحدًا ممن حوله في تنفيذ نيته، سأسعى جاهدًا لتحقيق حلمه، وسأجعل
صدقة جارية باسمه لطلاب العلم ومحبيه، عسى الله أن يتقبل مني ومنه ".
وأما صاحبه فقد انشغل بالتجارة بعد ما باع السبيكة وعاش في دوران حول المال وتنمية التجارة وكان يقوم
بالتدليل الزائد لأولاده حتى أصابه الوهن والضعف والمرض، ونظر إلى صاحبه ومرافقه
في أول رحلة لهما فوجد عنده العلم والحكمة والعزة والرقي الإجتماعي وأبناءه كذلك،
لأنه سلك طريق العلم النافع، الذي يرتقي بصاحبه ويجعله ذو مكانة ورفعة بين الناس.
وحينما رأى مَنْ أخذ السبيكة ذلك وبدأ في الفهم
والإستيعاب أخذ يحكي قصته هو وصاحبه، قصته كتاجر غرق في دوران المال والتجارة،
وقصة صاحبه من له المكانة والوقار والعزة بعد ما سعى وبذل وصبر طلبــًا للعلم
ورغبة فيه وإخلاصــًا لله تعالى واستجاب لرسالة صاحب البيت القديم والصندوق الأسود
وسبيكة الذهب ورسالة الحكمة، وأصبحت قصة معروفة ومتداولة بين أهل البلدة وما
يجاورنها من بلدان ويطلقون عليها ...




ردحذفالتقوى وصية السلف الصالح ( رضى الله عنهم )
قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله - : ولم يزل السلف الصالحون يتواصون بها : كان أبو بكر ( رضى الله عنه ) يقول فى خطبته : { أما بعد فإنى أوصيكم بتقوى الله ، وأن تثنوا عليه بما هو أهله ، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة ، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة ، فإن الله عز وجل أثنى على زكريا وأهل بيته فقال : { إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين } (الأنبياء : 90 ) ، ولما حضرته الوفاة وعهد إلى عمر دعاه بوصيته ، وأول ما قاله له : ( اتق الله ياعمر ).
وكتب عمر إلى ابنه عبد الله : ( أما بعد فإنى أوصيك بتقوى الله عز وجل ، فإنه من اتقاه وقاه ومن أقرضه جزاه ومن شكره زاده واجعل التقوى نصب عينيك وجلاء قلبك وكتب عمر بن عبد العزيز الى رجل : أوصيك بتقوى الله عز وجل التى لا يقبل غيرها ولا يرحم الا اهلها ولا يثاب الا عليها فإن الواعظين بها كثير والعاملين بها قليل جعلنا الله وإياك من المتقين .. ولما ولى خطب فحمد الله وأثنى عليه وقال { أوصيكم بتقوى الله عز وجل فإن تقوى الله عز وجل خلف من كل شىء وليس من تقوى الله خلف } وقال رجل ليونس بن عبيد : [ أوصنى ] فقال : [ أوصيك بتقوى الله والإحسان فإن الله مع الذين اتقوا والذى هم المحسنون ] وكتب رجل من السلف الى اخ له : [ اوصيك بتقوى الله فإنها من اكرم ما اسررت وازين ما اظهرت وافضل ما ادخرت اعاننا الله واياك عليها واوجب لنا ولكم ثوابها ]